20 مايو 2021

الهبّة في أراضي الـ48… ملامحُ من الالتحاق والالتحام

الهبّة في أراضي الـ48… ملامحُ من الالتحاق والالتحام

 لم يشتدّ قوسُ الفلسطينيّين في الأراضي المُحتَلة عام 1948 مثلما حدث واشتدّ في الهبّة الشعبيّة الجارية اليوم.  في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2000، هبّ الفلسطينيون هناك نصرةً للقدس والمسجد الأقصى بعد اقتحامه من قبل أريئيل شارون. انتفضت وقتها كلُّ فلسطين، فكانت الانتفاضة الثانية، واستشهد في أراضي الـ48 ثلاثة عشر شهيداً.

اليوم، وبعد عقدين، ينتصر فلسطينيو الـ48 مُجدداً للقدس بأقصاها وحي شيخ جرّاحها معاً، في رسالةٍ شديدة الوضوح عن عُمق الارتباط الوجدانيّ الدينيّ والوطنيّ الذي يربط فلسطينيّي أراضي الـ48 بمدينتهم المُقدّسة القدس، المدينة الأقدر دائماً على بعث كلِّ فلسطين، وإعادةِ رسم خريطتها كاملةً بلونٍ واحد. هذا عن الراهن الدافع لفزعةِ الالتحاق وهبّة الالتحام، غيرَ أنّ لليوميّ المُتراصف، والسياسيّ المُتراكم في السّنوات الأخيرة في أراضي الـ48 نصيبٌ كذلك في استدعاء كلّ هذا الغضب والسّخط.

إمرأة ترفع علم فلسطين أمام قوات الاحتلال أثناء مظاهرة في مدينة يافا، 15 أيار. تصوير: أحمد غرابلي/ AFP

الشّرطة كوجهٍ استعماريّ

صرخت حناجرُ الساخطين من أهلنا داخل أراضي الـ48 فداءً للأقصى ومدينته، بينما دكّت قبضاتُهم مراكز الشّرطة الإسرائيليّة بالنّار والدخان. فقد اتسعت خريطةُ الاحتجاج على اتّساع وجود مراكز الشّرطة المزروعة في المدن والقرى الفلسطينية ضمن مشروع الضّبط والتأديب، وذريعة "محاربة الجريمة" التي برَّرت "إسرائيل" بها إقامة تلك المراكز.

هاجم المتظاهرون هذه المراكز بالحجارة وصولاً إلى استهدافها بالرصاص في بعض البلدات والمدن، مثل رهط وبئر السّبع واللد. كما أحرق كلٌّ من متظاهري مدن وبلدات عكّا وكفر قاسم والطيرة وأم الفحم والرينة وكفرمندا وغيرها نقاط ومراكز الشرطة فيها، فضلاً عن مهاجمة مركباتها على الطرقات في سائر نقاط الاحتجاج.

كثّفت سلطات الاحتلال في السنوات الأخيرة من زرع مراكز الشرطة في مدن وقرى الداخل، ليصبح النّاس هناك أكثر تماسَّاً وانكشافاً على عنف الاحتلال وقمعِهِ إلى حدِّ تنظيمِ موتهم. جرى ذلك في سياق عنفٍ اجتماعيٍّ أكثر مما هو سياسيّ داخل هذه البلدات. لكنَّ هذا العنف الاجتماعيّ حُوّل فجأة إلى مصدره المُغذي، هكذا رأينا حرق مركز الشّرطة في كفر مندا الذي يُمكن فهمه في سياق تفريغ العنف الداخليّ العائلي (الحمائلي) فيها باتجاه الشّرطة التي عملت طويلاً على تغذيته. 

شاحنى تحترق على مدخل مدينة اللد بعد مواجهات اندلعت بين الفلسطينيين والاحتلال، 12 أيار. تصوير: أحمد غرابلي/ AFP

وفي طوبا الزنغريّة - القرية الفلسطينيّة البدويّة الوحيدة الباقية من قضاء صفد شمالاً - اشتبك النّاسُ مع الشرطة التي واظبت خلال العامين الأخيريْن على مداهمة بيوتهم وانتهاكِ حرماتها. كما ينسحبُ ذلك على بلداتٍ مثل مجد الكروم وطمرة في الجليل، وطيرة بني صعب في المثلث التي وصلت فيها الجريمة حدّ استهداف النساء، وكذلك أم الفحم التي شهدت قبيل الهبّة حراكاً أسبوعيّاً ضدّ  تواطؤ الشّرطة وجهاز الـ"شاباك" مع عصابات الجريمة والخاوة وتجار السلاح. 

لم تحارب الشّرطةُ الجريمةَ بقدرِ ما نظّمتها، هذا ما أدركه معظم فلسطينيّي الـ48، وهذا ما بيّنتْهُ هبّتُهم وفزعتُهم الجارية للأقصى والشّيخ جراح، فالعنف المُمنهج للشرطة واستخباراتها، قد كشفَ الناس هناك وبشكلٍ غير مسبوق على شكل استعماريّة الدولة المُتمثل في جهاز شرطتها.

عن اكتشاف المُستوطن 

إذا كانت الهبّة في قرى وبلدات الـ1948 الداخليّة قد اتَّخذت شكلَ المواجهة مع شرطة الاحتلال، فإنّ شكلَها في مدن الساحل والمركز المُستعمرة (المدن المختلطة)، مثل عكّا وحيفا، وتحديداً يافا واللد، قد اتخذّ شكلَ المواجهة مع المستوطنين أيضاً، الذين اعتدت جماعاتهم المُنظّمة على الفلسطينيين في أحيائهم.

لم يكن تعبيرُ "المستوطن" في قاموس فلسطينيي الـ48 يُحيل إلا إلى أولئك اليهود الذين استوطنوا مناطق الضفّة بما فيها القدس، التي زادت فيها اقتحاماتهم للمسجد الأقصى واعتداءاتهم المتكرّرة على سكّانها الفلسطينيّين. غير أنّ الهبّة الجارية قد أعادت الوعي لدى فلسطينيّي الـ48 بفكرة الاستيطان والمستوطن، إذ لم يعد اليهودي المستوطن فقط ذلك المقيم في مستوطنة "كريات أربع" في الخليل، أو في سلوان من أحياء القدس، إنّما هو أيضاً ذلك المُقيم في اللّد والرملة ويافا وحيفا وعكّا كذلك. 

هكذا، غسلت المواجهةُ في تلك المدن كلّ  ندوبَ الأسرلة ولغة التعايش والجوار، وكشفت عن حقيقة وجود اليهود كمستوطنين، والصراع معهم على الأرض والحيّز والفضاء. وهكذا أصبح كلُّ يهوديٍ هو مستوطن، وكلّ مدينة أو بلدة هم فيها هي مستوطنة، وعلى هذا يجب تكثيف الوعي.

شاب يرفع علم فلسطين بعد جنازة الشهيد موسى حسونة في اللد، 11 أيار. تصوير: أورين ديف/dpa

عن تمدّد الالتحاق والالتحام

كانت هبّات فلسطينيي الـ48 على مدار عقود محصورةً في نقاط ارتكازٍ ثابتة، غير أنّ هذه الهبّة قد وسّعت خريطة الاحتجاج والاشتباك، لتصل إلى مدنٍ وقرى ظلّت لسنوات طويلة مُغيبة عن فعل الاحتجاج وقاموسه، بعدما أغرقَتْها  أجهزةُ الاحتلال بيوميات الجريمة، وهموم المخدرات، وامتيازات الأسرلة. تصدّرت اللدُ المواجهة في الأيام الأولى للهبة بكلِّ ندّيتها، وانتفض أهالي النقب في شقيب السّلام وعرعرة ورهط. كما هبّ شمالاً، ولأول مرةٍ أبناءُ قرى مثل عرب الشِّبلي وبير المكسور وطوبا الزنغرية، وهي قرى بدويّة، أي من تلك الفئة الاجتماعيّة التي عملت أجهزةُ الاحتلال على سلخِها عن هويتها العربيّة الفلسطينيّة وتحويلها إلى "أقلية" ذات "مميزات خاصة".

كان لما يُمكن أن نُسمّيه "عدوى الالتحاق والالتحام" أثرٌ في تمدد الهبّة، وذلك ضمن روح الحمية والفتوة اللتين ملئتا فضاءَ الـ48 نصرةً للقدس وأهلها، خاصةً في ظلِّ الليالي العشر من رمضان.  فالقرية الفلانية تدبُّ فيها الحمية لأن قرية أخرى مجاورة قد سبقتها لنصرة القدس، "هني مش أولى ولا أرجل منا"  كما يقول أهلها. وأهل اللد هبّوا لمواجهة المستوطنين لأنه "إحنا مش مثل أهل مدينة...... حتى يعلموا علينا"، وهكذا، تصعدت المواجهة ضمن رصيدٍ تعبويٍّ محليّ، في أفقٍ وطنيّ جامع على مستوى الهتاف ورفع راية علم فلسطين.

الشارع يستعيد شارعه 

تقول هبّة فلسطينيي الـ48 الجارية، أياً كانت مآلاتُها لاحقاً، أمراً واحداً لا جدالَ فيه، إنّ الشّارع قد استعاد شارعه واسترد صوتَه بعد كلّ محاولات بعض الأحزاب والقيادات شدّه وإبقائه على رصيف الفعل السياسيّ ضمن دائرة الدولة العبرية وشروطها، طوال السنوات الأخيرة.

يستعيد اللثامُ كاملَ هيبة ووضوح وجه الفلسطينيّ في الـ48 على أبواب المدن والقرى المحتلة، ويدفع جيل الشباب الصاعد فيها، بكلتا قدميه، وبكامل لحمه بوجه ترسانة القمع والقتل والتنكيل، من أجل قضية أبى لها هذا الجيل بعد أكثر من سبعين عاماً أن يستحضر  ذكراها إلا مواجهاً مناهضاً، وساخطاً رافضاً، ليشتبكَ ثمّ يُعلِنُ إضرابَه موقفاً منه والتحاماً مع سائر أبناء شعبه، لا لمجرد إغلاق المتاجر والدكاكين، أو احتفالاً كرنفالياً كما حولته بعض قوى الداخل السياسية في السنوات الأخيرة.