fbpx

الذئاب المنفردة في غزّة

الذئاب المنفردة في غزّة

في الأول من أغسطس/آب الجاري، اقترب الشّهيدُ هاني أبو صلاح (20 عاماً) من السيّاج الفاصل شرق خزاعة، جنوبي قطاع غزّة، وأطلق النّار من سلاحه على قوّة من جيش الاحتلال الإسرائيليّ. أسفر الهجومُ عن إصابة ضابطٍ بجراحٍ مُتوسطةٍ وجنديين بجراحٍ طفيفة، واستشهاد أبو صلاح. إثر العملية، استهدفت دبابة إسرائيليّة موقعاً لحركة "حماس"، رغم أن التحليلات المختلفة أشارت إلى أن الحديث يدور عن "عملية مستقلة". 

توالت بعد هذه العملية سلسلة من العمليات المُشابهة على "السّياج الحدوديّ" شرق قطاع غزّة. في 10 أغسطس/آب استشهد أربعةُ فلسطينيين على الحدود الشرقيّة للمنطقة الوسطى أثناء محاولتهم تنفيذ عملية ضدّ قوات الاحتلال، هم  عبدالله اسماعيل الحمايدة (21 عاماً)، وعبدالله أشرف الغمري (19 عاماً)، وأحمد أيمن العديني (20 عاماً)، وعبد الله المصري. صباح اليوم التّالي، 11 أغسطس/آب، شَهِدَ محاولةً أخرى قام بها الشّهيد مروان نصر على شرق بيت حانون. ومن ثمّ وقعت آخر تلك العمليات حتى اللحظة، ليلة 18 أغسطس/ آب، والتي أسفرت عن استشهاد ثلاثة مقاتلين شرق بيت لاهيا، هم محمود عادل الولايدة (24 عاماً)، محمد فريد أبو ناموس (27 عاماً)، ومحمد سمير الترامسي (26 عاماً).

لا يعتبر هذا النّوع من العمليات جديداً في قطاع غزّة، فقد نُفِّذَت عملياتٌ مشابهةٌ يتوّجه فيها شبانٌ مسلّحون للاشتباك مع قوات الاحتلال عند السّياج الحدوديّ.  منها عملية أحمد أبو نصر الذي اقتحم موقع كيسوفيم العسكريّ وقتل جنديّاً إسرائيليّاً في الأول من يونيو/ تموز 2012. كما حاول الشّهيد هاني المجدلاوي اقتحام موقع زيكيم العسكريّ في 21 أغسطس/ آب 2018. 

لكن الجديد هنا هو تصاعد هذا النمط من العمليات، إذ يُمكن القول إنّها المرة الأولى التي يشهد فيها القطاعُ حالةً كهذه، تتكرر فيها العمليات بشكل واضح خلال فترةٍ زمنيّة وجيزة. وهي الحالة التي يمكن -في حال استمرت- أن تؤدي إلى جولة تصعيد واسعة النطاق.

جذور الفعل ودلالاته

قبل الخوض في قراءة تصاعد هذا النمط من العمليات، نُعرج قليلاً على التّاريخ. بعد الانتفاضة الثانيّة، ساعد وجود إطاراتٍ واضحةٍ ومركزيّةٍ للعمل المقاوم في قطاع غزّة في استيعاب معظم الشّباب الراغبين في المشاركة في مواجهة الاحتلال عسكريّاً. بعد الانسحاب الإسرائيليّ من القطاع في سبتمبر/أيلول 2005، تطوّرت هذه الحواضن وازدادت تنظيماً وتدريباً، وبالتالي استوعبت المزيد من الشّباب.

بعد الانسحاب، كذلك، لم تعد هناك نقاط عسكريّة إسرائيلية على أراضي القطاع تدور حولها المواجهة والاشتباكات. هذا إضافةً إلى السّيطرة الأمنية لحركة "حماس" على السّياج الحدوديّ، مما عنى صعوبة الوصول إلى نقاطٍ صالحةٍ للاشتباك وراء الحدود. ساهم ذلك في انخفاض نسبة العمليات العسكريّة ذاتية التخطيط، إن صح التعبير. استمرّ هذا الانخفاض بعد حرب عام 2008، إذ ترسّخت في وعي فصائل المقاومة بعدها أهميةُ تطوير القدرات العسكريّة النوعيّة المعتمدة على العمل المنظّم والجماعيّ، مع وجود استثناءات في بعض الأحيان.

ومع تطوّر بنية المقاومة المسلّحة بشكلٍ كبيرٍ، وإظهارها إنجازاتٍ نوعيّة في مجال مراكمة قوّتها وتوسيعها، وهو ما انعكس في سلسلة من الحروب وجولات التصعيد، وما رافق ذلك من تطوّر في منظومات جمع المعلومات وتحديد الأهداف، وهي المتطلبات التي تحتاج إلى جهدٍ جماعيٍّ منظّمٍ ونوعيٍّ، أصبحت فكرةُ العمل الفرديّ أقلّ فاعليّة، وغير مطلوبة من ناحية السّياق العسكريّ العام في القطاع.

لكن، بعد انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار نهاية مارس/آذار 2018، حدثت تحولاتٌ واضحةٌ في وعي الكثير من شباب القطاع. من ناحيةٍ، اتسّعت المشاركة الشّعبيّة للمجتمع بمختلف أطيافه وفئاته في المعركة المستمرة ضدّ الحصار. 

من ناحيةٍ أخرى، انكشفت مجموعاتٌ من الشباب على مناطق جغرافيّة لم تكن أقدامهم قد وطئتها قبل ذلك؛ مما يعني ارتفاع الوعيّ الجغرافيّ للكثيرين ممن داوموا على الحضور الأسبوعيّ في المناطق الحدوديّة على مدار عامٍ ونصف تقريباً.  

هذا الحضور ونطاقه الشعبيّ يعني تزايد إمكانية التحام فئاتٍ جديدةٍ من الشّباب مع جنود العدوّ ومن مسافاتٍ قريبةٍ كسرت الكثير من حواجز الخوف. ولعل عمليات قصّ الشريط الحدوديّ وما كان يرافقها من استبسال وإقدام تدلّ على ذلك. ومن خلال تتبع سير الشّهداء من منفذي العمليات الأخيرة، تبرز مشاركتهم المستمرة سابقاً في المسيرات.

كما أن غالب هؤلاء الشّباب هم من أبناء الفصائل العسكريّة، أو كانوا يوماً من أبنائها، أو من المقربين لها، أو يسهل عليهم الوصول إلى السّلاح. وهو باب تدرك دولة العدو خطورته العالية، فغزّة تحتضن عشرات آلاف المسلحين، كما أن أيّ خطأ من قبل جنودها في التعامل مع أي حدث قد يعني خسائر أكبر من المتوقع، وهو أمر قد يجرّها إلى معركة واسعة.

هل هم حقاً ذئاب منفردة؟

في أغسطس/آب 2017 نشرت وكالة الأناضول التركيّة خبراً مفاده بأنّ كتائبَ القسّامِ قدّمَتْ مُخطَطَاً لإحداث حالةٍ من الفراغ الأمنيّ والسياسيّ في قطاع غزّة، وذلك في محاولة منها لحلّ الأزمة الإنسانيّة الخانقة. هذا الخبر "العابر" يستدعي السّؤال: "هل هناك دفعٌ من قبل حركة "حماس" باتجاه هذا النّوع من العمليات ضدّ العدو؟ أو على الأقل غضّ النظر عنه؟". 

تُشير تقديرات بعض المراقبين من سياسيّين وصحافيّين إسرائيليّين إلى أنّ "حماس" تقف خلف هذه العمليات، وتهدف منها إلى تحريك الأوضاع السّياسية، وإيصال رسائل ساخنة عما يمكن أن يحصل على حدود القطاع في حالة لم تتحسن ظروف الحياة المعيشية فيه. بتعبير آخر، تقول هذه التقديرات إنّ العمليات موّجهة من "حماس" لتحقيق إنجازات على صعيد تخفيف الحصار. 

لكن على الجهة المقابلة لا بدّ من الانتباه إلى مجموعةٍ من المعطيات التي لا تدعم هذا التقدير، أو على الأقلّ تُقلّل من احتماليته. 

بدايةً، على الصعيد العملياتيّ، لم يستنزف مجتمع القطاع، والفاعلين تحديداً في مسيرات العودة، كلّ ما لديه من وسائل ضغط تجاه العدوّ، كأن يلجأ إلى زيادة عدد البالونات الحارقة، وغيرها من الأدوات الخشنة قليلة التكلفة وعالية الفعاليّة التي طوّرتها المسيرات. هذه الوسائل في حال تضاعفت، فإنّها كفيلة بيصير ال أي رسائل يرغب بها السّياسيون في القطاع.

من ناحيةٍ أخرى فإنّه من غير المتوقع أن تسمح "حماس" بتفلّت الأوضاع الأمنيّة على الحدود، خاصّة أنها بذلت جهوداً كبيرةً في تنظيم العمل العسكريّ حتى وصلت ذروة هذه الجهود في تأسيس "غرفة العمليات المشتركة"، وحرصت على تجنب الأخطاء التي كانت تحصل سابقاً.

كما أن اللجوء والدفع الممنهج باتجاه هذا النوع من العمليات العسكريّة غير مضمون النتائج، وقد يتدحرج بسهولة نحو معركة عسكريّة لا يرغب بها الطرفان. هذا عدا عن أن السياسات العسكريّة لكتائب القسّام لا تسمح بنمط عمليات بسيط على الصعيد التخطيطي، ولا تؤدي غالباً إلا لاستشهاد منفذيها، وهذا بناء على استقراء السّلوك العسكريّ للكتائب. وهو الأمر الذي يتفق مع "فتوى" أصدرتها اللجنة الشرعيّة التابعة لحركة "حماس"، وتم تداولها في غزّة، والتي تؤكد أن العمل الجهاديّ يجب أن يكون جماعيّاً وبما يتوافق مع الجماعة.

وبالتالي، يتعزز التقدير المقابل، والذي يرى أنّ هذه العمليات تنطلق من دوافع فرديّة بحتّة، وليست موّجهة من حركة "حماس". يأتي هذا في ظلّ إحباط عامّ يعيشه مجتمع القطاع خصوصاً والمجتمع الفلسطيني عموماً في الضفة والقدس والداخل، وفي ظل ارتفاع معدل الاحتكاك مع جنود العدوّ في مسيرات العودة؛ معظم منفذي العمليات كما سبقت الإشارة فاعلون في المشاركة في المسيرات. مع الإشارة إلى وجود سوابق لشباب حاولت تنفيذ أعمال عسكرية خلال المسيرات نفسها، إضافةً إلى وجود نموذج ناجح حرّك الغريزة القتالية تمثّل في عملية هاني أبو صلاح.

وكما أشار عاموس هرئيل، المحلل العسكريّ في صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، فإنّ الأجهزة الاستخباريّة للعدوّ تتفق مع التقدير الأخير، وترى أن الشباب يتحركون وفق منطلقات ذاتيّة، مع غياب التخطيط الفصائليّ، وهو ما قد يُفسّر ردّ الفعل "المتواضع" للجيش بعد تلك العمليات.

وبغض النظر إن كانت "حماس" أو غيرها وراء هذه العمليات أم لا، فإنّها -أي العمليات- تعكس تبلورَ رغباتٍ واضحةٍ لدى بعض شباب القطاع بضرورة مواجهة العدوّ، والمبادرة بتنفيذ عمليات عسكريّة تجاهه، دون انتظار مناسبات تحضّ على ذلك، كالحروب أو جولات التصعيد، أو الاعتماد على الفصائل العسكرية لتحقيق الرغبة العسكرية في المواجهة. 

كما أنّ هذه العمليات تختلف عن عمليات كانت سمة "العمل الفرديّ" حتى الآن، والتي كانت محصورة بإطلاق الصّواريخ، أو الاقتراب من الحدود لزرع عبوات تفجيريّة، بكونها عمليات فدائيّة استشهاديّة بمعنى أنها تعتمد على الاشتباك والمواجهة العسكريّة المباشرة.

لكن، يجدر الانتباه إلى أن معظم العمليات فشلت في تحقيق هدفها العملياتيّ باستثناء عملية هاني أبو صلاح الأولى، وذلك يعود لطبيعة المنطقة الحدوديّة شديدة التعقيد الأمنيّ، والتي تتواجد فيها منظومةٌ إسرائيليّةٌ تكنولوجيّة متطوّرة، في منطقة مكشوفة ومنبسطة. وهي بيئة عسكريّة تحتاج جهداً جماعيّاً لتجاوزها بدءاً من جمع المعلومات، ومروراً بإسناد العمل العسكريّ، وهو الواقع الذي فرض على المقاومة الفلسطينية التوّجه نحو الأنفاق الهجوميّة كوسيلةٍ لتعويض التفوق التكنولوجيّ الإسرائيليّ من جهة، والتغلّب على عامل الطبيعة الجغرافيّة التي لا تناسب كثيراً عمليات التسلل من جهةٍ أخرى.

مع ذلك، فإن هذه العمليات تعكس قدرة الفلسطينيّ على مخالفة توّقعات العدوّ باستمرار. إذ أن التقدير النمطيّ للاستخبارات العسكريّة الإسرائيلية بخصوص غزّة يتراوح عادة بين توقع مبادرة "حماس" أو الفصائل الأخرى لجولات تصعيديّة، فيما هنا يجري الحديث عن توّجه فرديّ مفاجىء. عدا عن ذلك تحقق هذه العمليات درجة ما من الاستنزاف لقوات الاحتلال الإسرائيليّ، إذ أنها تتطلب درجة عالية من بقاء التحفز والترقب على حدود قطاع غزّة، خاصّة أنه يصعب التنبؤ بنوايا المجموعات الفرديّة أو ذاتية التخطيط. وهذه الحالة تستنزف الجيش الإسرائيلي وتُشَتِّت من تركيزه العسكريّ والاستخباراتيّ، وإن كان العدوّ قد يحتمل حالةً كهذه لشهرٍ أو شهرين، لكنه لن يستطيع ذلك لفترات طويلة.

كما أنّ هذه العمليات قد تفتح الباب أمام نتائج تخالف التوقعات. لا يرغب العدوّ حالياً بأي مواجهة عسكريّة مع القطاع، لكنّ نجاح أيّ فعلٍ عسكريٍّ بايقاع حصيلة معتبرة من القتلى، أو حتى خطف جنود للجيش، سيؤدي إلى جولة غير معروفة العواقب من التصعيد العسكريّ، مما يعني بأن "قرار الحرب" لم يعد يتعلق بجهةٍ واحدةٍ داخل القطاع، في ظلّ استمرار الحصار وعدم التسريع في تنفيذ التفاهمات والتخفيف من معاناة الناس التي تزداد مع الوقت.

حسن كمال
باحث وكاتب فلسطينيّ

إقرأ أيضاَ